سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي

42

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس

وأما قولهم : ثلاثة أنفس ، فإنهم يريدون بذلك الانسان ، هذا قول أصحاب اللغة ، والفقهاء وافقوهم على ذلك . وأما أرباب المعقول فقد اختلفوا في حقيقة النفس ما هي ؟ اختلافا كثيرا إلى الغاية . أما الحكماء فقالوا : النفس عبارة عن هذه الاجزاء النارية السارية في هذا الهيكل ، لان النار خاصتها الاشراق والحركة ، ولهذا قال الأطباء : ان مدبر الجسد هو الحار الغريزي ، وهذا رأي افلوطر خوس ومن تابعه . ومنهم من قال : هو عبارة عن هذا الهواء لأنه متى كان النفس مترددا كانت الحياة باقية ، فالنفس هو الهواء المستنشق المتردد في مخارق البدن ، ولأنه لا لون له ويدخل في المنافس الضيقة ، وهذا رأي ديوجانس ومن تابعه . ومنهم من قال : النفس عبارة عن الماء لأنه سبب لحصول النشو والنمو والنفس كذلك ، فكانت هي الماء ، وهذا رأي تاليس الملطي ، وهذه الأقوال فاسدة ، لان الاشتراك في بعض الصفات لا يوجب التساوي في تمام الماهية . ومنهم من قال : النفس عبارة عن مجموع الاخلاط الأربعة بشرط ان يكون كل واحد له قدر معين ، لأنه ما دامت هذه الاخلاط باقية على كمياتها المخصوصة وكيفياتها ، فالحياة باقية ، وهذا ضعيف أيضا ، لأنه لا يثبت العلم لنا بمجرد الدور ومنهم من قال : النفس عبارة عن الدم لأنه اشرف أخلاط البدن ، ومتى نزف الدم وفنى من الجسد فارقته الحياة ، وهذا رأى جالينوس ومن تابعه من الأطباء فوافقوا الفقهاء وأهل اللغة ، وهذا ضعيف لان الجسد يعرض له عدم الحياة ، والدم فيه ، ولأنه لا ينبغي ان تزيد النفس بزيادة الدم في البدن ، وان تقوى معلوماتها وادراكاتها وتضعف بقلته في الجسد ، والقضية بالعكس ، فان الصائم والضعيف يقوى ادراكه . ومنهم من قال : ان العناصر المركبة مختلفة في ماهياتها ، فاللطيف منها لا ينقلب كثيفا وبالعكس .